العروبة الجامعة بين التسامُح ورفض الإستباحة

بقلم د. ناصر زيدان

العروبة

مخاطر جمَّة تواجِهُ العرب من جوانب مُختلفة، وعلى شاكلةٍ مُتصاعِدة تُذكِّرُ بحقباتٍ صعبةٍ ماضية، عاش فيها العرب ويلات الاستعمار والوصاية، بما حملتا من قهرٍ وقمعٍ واستبداد، ومحاولاتٍ حثيثة لتغيير الهوية القومية الجامعة، او تهشيمها على اقلِ تقدير.

وتشعُر الاغلبية الساحقة من النُخب العربية؛ ان هناك استهدافاً غير مسبوق للدول العربية، واستباحةً تصل الى حد الاستهتار بالمشاعر القومية. ويترافق هذا الشعور مع شكوك تربط بين الاهداف الاسرائيلية وبين طموحات بعض القوى الاقليمية والدولية، من خلال تلاقي المصالح الناتجة عن تغييبِ عامل التأثير العربي في جيوبوليتيك المنطقة وسوسيولوجيتها، عبر تنفيذ مشاريع تفتيتية: احياناً تأخذُ طابعاً دينياً او مذهبياً، واحياناً أُخرى تتلطى خلف شعارات ” المقاومة ” للإحتلال الاسرائيلي، ولكن الهدف منها شيءٌ آخر.
لا يمكن فصل الاحداث الكُبرى التي تجري في بلاد ما بين النهرين والشام العربيتين عن سياق الاستهداف الوجودي للفكرة العربية برُمتها، ذلك ان تشجيع بعض المجموعات غير العربية على الإنفصال، او التمرُّد، غيرُ بريءٍ على الإطلاق، لأن هذه المجموعات عاشت في كنفِ العروبة قرون طويلة بأمانٍ واستقرار، والاغلبية من هذه المجموعات لجأت الى بلاد العرب هرباً من البطش والاضطهاد والإبادة التي تعرضت لها في موطنها الاصلي، ومنهم على سبيل المِثال اكراد شمال سوريا والارمن وبعض الامازيغ في المغرب العربي.
امَّا الافكار التفتيتية التي انتشرت على خلفيات مذهبية او فقهية مغلوطة؛ فهي ايضاً دخيلة سياسياً على الذاكرة الثقافية العربية، ولم تحصل إلا بفعل عامل تشجيع خارجي. ويمكن إدراج حركة ” داعش ” الارهابية الانفصالية في وسط سوريا والعراق ضمن هذا المنحى، لأن الاوهام المغلوطة التي يبني قادة ” داعش ” افكارهم عليها؛ تُشكلُ طعنة في خاصرة الفكرة العربية، وتبريراً لمشاريع التفتيت والتمزيق التي تتبناها قوىً اقليمية ودولاً خارجية كُبرى. ويأتي الانفلاش والطموح المُتفلِّت عند بعض القيادات اليمنية ضمن السياق التفتيتي ذاته. وليس سراً ان هذه الحالات – التي ذكرناها كمثال على خطورة التدخلات الخارجية في الشؤون العربية – مرتبطة بدول اقليمية غير عربية، وبمسارات خارجية ليست بعيدة عن التأثيرات الصهيونية.
ان محاولات التشكيك بالعروبة كحضارة؛ ليست جديدة، وقد تعرَّضت هذه المقاربة لمحارباتٍ مُتعدِدة، وللتشكيك. وقد حاول العثمانيون تتريك بعض الدول العربية، لاسيما في بلاد الشام عبر 400 عام من الاحتلال ولم يفلحوا. وحاول الاستعمار – خصوصاً الفرنسي – تغيير وجهة الشعب العربي في شمال افريقيا برمته، من خلال التآمر على اللغة العربية، وإستبدالها باللغة الفرنسية، إلا ان ذلك لم ينجح على مدى 150 عاماً، وقد عادت الجزائر الى كنف العروبة، رغماً عن انف الاستعمار، ومعها تأصلت العربية اكثر فأكثر بين ابناء الشعب المغربي والتونسي والموريتاني. وعلى ذات الوثيرة رفضت شعوب وادي النيل تسلُّل الافكار الدخيلة، وتمسكت بعروبتها الصافية برغُم كل التحديات.

العرب
العروبة ليست لغة فقط؛ انها حضارة متوارثة من جيل الى جيل. والابجدبة تنمُّ عن ثراثٍ يحمل معاني التقاليد والاعراف والرؤى، بما في ذلك تفسيراتٍ مختلفة لبعض الظواهر الطبيعية وحتى العلمية ( فالقمر بالعربية مذكر والشمس مؤنثة بينما بالفرنسية عكس ذلك ) وهذه الخصوصية العربية تنطلق من غنى حضاري وإبداعات فلسفية وعلمية وادبية، ومن مقارباتٍ سيسيوديموغرافية مُترامية وموحدة الى حدٍ بعيد، تعتمد على الصدق والكرم والثقيّةِ وحسن الضيافة، وعلى اعتبار ان الاسلام الحنيف لا يتعارض ابداً مع فكرة العروبة، بل يُغنيها ويكملها في آن. وتلك الاراء روّج لها بعض المفكرين العروبيين غير المسلمين من امثال ميشال عفلق وجرجي زيدان وقسطنطين زريق.
صحيح ان الدول الوطنية العربية الحديثة؛ أُنشأت وفقاً لإعتبارات جغرافية او تقليدية، او بتأثيرٍ من معاهداتٍ دولية فرضتها الدول الكبرى في النصف الاول من القرن الماضي، ولكن التجانُس الديمغرافي لم يكُن مفقوداً الى الحدود التي يتحدث عنها بعض المروجين لفكرة الاستباحة الخارجية اليوم. وقد عاشت المكونات الاجتماعية للدول العربية – لاسيما المشرقية منها – بإستقرارٍ وسلام؛ عقوداً طويلة، وغلبت على جدلية التبايُنات الداخلية سمةُ التنوع السياسي ضمن وحدة المرجعية العربية الجامعة، بما في ذلك بعض المكونات الذين لا ينتمون الى العربية، وكانوا قابلين بالعيش ضمن جغرافيا العروبة الحاضنة، ولكن ممارسات بعض الانظمة القمعية بحق الاقليات الاثنية – لاسيما الاكراد – ساهمت في قطع حبال التواصل بين هؤلاء والتركيبة السوسيوبوليتيكية المحيطة، خصوصاً في شمال العراق وشمال سوريا.
ان الدعوات لإقامة الوحدة العربية التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي حملها نخبويو حزب البعث العربي الاشتراكي ومؤيدوا الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لم يُكتب لأيٍ منها النجاح الكامل، وبعض التجارب استهلكت نفسها على خلفية الصراع على السلطة والنفوذ، وعلى وجه التحديد؛ تجربة الوحدة المصرية – السورية ( 1958-1961) وكذلك الامر بالنسبة لإتحاد الميثاق القومي بين سوريا والعراق ( 1978) ولكن تلك الاخفاقات لا تعني بأي حال من الاحوال تشكيكاً بالفكرة العربية الحضارية الجامعة للشعب العربي المتنوع ولوحدة الأراضي العربية المترامية من المحيط الى الخليج.
وما يؤكد تلك الوحدة المتنوعة في الجيوسوسياليست العربي؛ عدم قدرة الدول الكبرى المجاورة للجغرافيا العربية على محو الآثار الثراثية العربية عن المجموعات التي تعيش ضمن المساحات التي سلختها هذه الدول – وبإرادة المستعمرين – عن واقعها العربي، واقصد عرب الاحواز – او عربستان – التي ضمَّت الى ايران بموافقةٍ بريطانية، كذلك عرب لواء الاسكندرون الذي تمَّ ضمه الى تركيا بموافقةٍ فرنسية.
ان نمط تعدُد الدول الوطنية ضمن الاطار العربي، لا يتناقض مع التمسُّك بالثراث الواحد، وبوحدة الانتماء التي يستند اليها العرب اينما كانوا. وصيغة العمل العربي المُشترك في اطار جامعة الدول العربية؛ تجربةٌ ناجحة إذا ما تمَّ تفعيلها، وتطوير مستوى آداء منظماتها الرافِدة المُتخصِّصة، في المجالات الامنية والدفاعية والثقافية والادارية والاقتصادية، وفي قطاعات الصناعة التكنولوجية والاتصالات. ومثل هذه الصيغة الجامعة مُعتمدة في اماكن أُخرى من العالم على المستوى القاري، او القومي. فالفيدرالية في الولايات المتحدة الاميركية؛ صيغة تعاون بين ولايات متعددة الاثنيات والقوميات والالوان والاديان ضمن اتحادٍ، لا يوجد فيه وحدة إلا في الامن والخارجية والدفاع. وهو تجربةٌ ناجحة لعمل فيدراليٍ مُشترك. اما الاتحاد الاوروبي؛ فهو يعمل في صيغة تعاون لدول مُستقلَّة ومتنوعة، ولا تنتمي الى قومية واحدة، ولا تتحدَّث لغة واحدة، ولكنها تتعاون في الاقتصاد والامن للحفاظ على مصالح ابناء القارة اجمعين لمواجهة التطور الهائل الذي شهده العالم في العقود الاخيرة.
ان التضامن العربي، او العمل العربي المُشترك؛ ضرورةٌ قومية ووطنية اكثر من اي وقتٍ مضى. ومواجهة الاخطار التي تواجه الأُمة تفرض توحيد الرؤى العربية في حدها الادنى، خصوصا في مجال الوقوف في وجه الإستباحة التي فرضتها التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية، وعلى وجه التحديد تدخلات الدول الاقليمية المجاورة، ومنها مَن يدفع الاموال الطائلة لتفكيك النسيج العربي في عدد من الدول – خصوصا في العراق وسوريا ولبنان واليمن – وهدف هذه الدول؛ توسيع نفوذها الاقليمي على حساب المصالح العربية المُشتركة.
ان مواقف جامعة الدول العربية الاخيرة؛ تنمُّ عن إستفاقة مطلوبة في هذه الظروف العصيبة. والفرصة مُهيأة لترسيخ التضامن العربي والوقوف في وجه التدخلات الخارجية الهدامة في الشؤون العربية.
تمتلك الامة العربية عظمة لا يُستهان بها، وعندما يتوافر التعاضد العربي؛ يمكن ان تتحقَّق المُعجزات. فقبل 756 سنة، وقف العرب مجتمعين في عين جالوت وهزموا هولاكو وجيشه (الماغولي- التتري) الذي كان يٌقال انه لا يُقهر، وقضوا على اعتى امبراطورية اجرام في التاريخ. فهل يقف العرب اليوم موحدين لوضع حد للإستباحة الخارجية للسيادة العربية؟

—————————-

تُنشر بالتزامن مع صحيفة أفق الصدارة عن مؤسسة الفكر العربي