عن الديمقراطية اللبنانية ومساراتها المتعثرة!

رامي الريس

الريس

في الديمقراطيات الحقة، لا يُحوّل حق المشاركة إلى حق للتعطيل، ولا تُشترط نتائج الإقتراع قبل تأمين النصاب.

في الديمقراطيات الحقة، نصوص الدساتير واضحة لا لبس فيها ولا حاجة لإختراع جيوش من الخبراء الدستوريين لإستشارتهم حول معنى هذه المادة أو تلك.

في الديمقراطيات الحقة، ليس ثمة نصاب سياسي ونصاب قانوني، فالنصاب يؤمن عددياً ويحقق وظيفته السياسية.

في الديمقراطيات الحقة، لا يمكن تصور غياب نائب منتخب شعبياً عن ممارسة أحد أهم أدواره ألا وهو إنتخاب رئيس جديد للجمهورية لا بل مقاطعته لما يزيد عن 35 جلسة متتالية للإنتخاب!

وفي الديمقراطيات الحقة، لا يتوقع المواطن من الأطراف السياسية أن تحاول إيهام الرأي العام أن مقاطعتها للسلطة التشريعية في أهم إستحقاق دستوري وسياسي هو حق مشروع!

إذن، القواعد أعلاه تنطبق على الديمقراطيات “المحترمة”.

مجلس النواب فارغ

لكن، هل هذا يعني أن “الديمقراطية اللبنانية” ليست ديمقراطية “حقة”؟ بقدر تمسكنا بالنظام الديمقراطي، على هشاشته، بقدر إقتناعنا أنه لا ينتمي إلى فئة الديمقراطيات الحقة أولاً بسبب تكوينه الطائفي والمذهبي الذي يولد التمييز بين اللبنانيين بحسب إنتماءاتهم، وثانياً بسبب عدم رغبة الغالبية العظمى من قواه السياسية بالتخلي عن شيء من فائض قوتها لمصلحة ذاك المشروع المشترك المُسمّى “الدولة”!

على قدر ما شكلت الديمقراطية اللبنانية على مدى العقود في القرن العشرين متنفساً ورئة للعالم العربي الذي غرق في الديكتاتوريات المظلمة التي أفرغت المجتمعات منهجياً من نخبها السياسية والفكرية والثقافية؛ على قدر ما عجزت عن تطوير نفسها من خلال بلورة مشروع ديمقراطي عروبي إصلاحي شامل يضمن المساواة بين مختلف الفئات اللبنانية ويبدّد هواجس ومخاوف الأطراف الخائفة من خلال تكريس مفاهيم المساواة والعدالة الإجتماعية والإنماء المتوازن.

بعبدا

إن مصالحة القوى اللبنانية المتصارعة مع بعضها البعض حقق الكثير من المنجزات لا سيما على صعيد طي صفحات الحرب القاسية والمؤلمة. المطلوب اليوم مصالحة اللبنانيين مع دولتهم التي تبقى المرجع الحاضن للجميع بمختلف هواجسهم.

تجربة فائض القوة دارت دورتها على معظم الطوائف والمذاهب والقوى السياسية وأثبتت أن لا جدوى منها ولا نتيجة محققة عبرها سوى سقوط الدماء وتدمير البلاد.

في ظل الإنفجار الإقليمي الهائل، ألا يستحق “لبنان الكبير” القليل من الجهد للحفاظ عليه مساحة للحريات والإستقرار؟ وماذا عن النمو وهو بحاجة لقرارات جريئة وخطوات جذرية ومقاربات علمية، فيتحقق التقدم رويداً رويداً وتتعمق الثقة بالدولة ومشروعها ووظيفتها الإجتماعية غير المكتملة؟!

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess