14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!

محمود الأحمدية 

M.A

“الآداب ومفاهيم النزاهة والصدق والشرف هي أرقى تعابير وأشكال الحضارة” (كمال جنبلاط)

من على شرفة منزلي، سرح نظري في البحر والشجر والناس… وراحت بي ذكريات إلى يوم 14 آذار 2005 حيث تقاطرت الناس من كل حدب وصوب وامتزج فيه الشعور الجارف بالظلم وبثقل أطنان المتفجرات التي دمّرت أمام أنظار العالم أجمع شخصيّة تاريخيّة بحجم الرئيس رفيق الحريري، فكنت ترى ساحة الحريّة وقد التقى فيها الناس كموج البحر موحدة الهواجس والخوف على وطن طال جرحه ونزف كثيراً وتحطم حاجز الخوف.

 وكانت  روح هذا اليوم تسري في العقل والقلب والوجدان، وتحققت أحلام الكثيرين بأنه حان لهذا الوطن المعذب أن يرتاح وحان لهذا الشعب أن يتنسّم عبير الحرية والسيادة والإستقلال، واستبشر الشعب بمرحلة جديدة عنوانها الأساسي: التحام تاريخي بين جناحي الوطن المسيحي والمسلم في بوتقة واحدة ودماء رفيق الحريري سرت مثل النار في الهشيم في المهج والأرواح والمشاعر وانسحب الجيش السوري وللمرة الأولى علت الفرحة كل الوجوه الظاهرة والمستترة.

14 MARCH 2005

 وبدأت جلجلة جديدة باغتيال شخصيات قيادية واعية مدركة متنورة في مسلسل جهنمي أجبر الكثيرين على ملازمة بيوتهم والفنادق فأصبح مجرد الظهور العلني خطر حقيقي ومجرد ظهور سيارة تحمل اشارة زرقاء خطراً على كل المحيطين بها، وكانت النكسة الأولى: الحلف الرباعي الإنتخابي مما زرع بذور الشك والانقسام فتخلى ميشال عون عن المسيرة وانتقل بسرعة البرق إلى المقلب الآخر وتوج حركته باتفاقه مع حزب الله وكانت الخطوة الثانية أو الجرح العميق الثاني تبني المشروع الأرثوذكسي من قبل شخصيات اساسية في 14 آذار ودَعَمَ بشكل مذهل حزب الله هذا المشروع القبائلي الذي يعيدنا إلى القرون الوسطى.

وأصبح المشهد دراماتيكيا إلى حدّ غير مسبوق: جبهتان تجتاحان الوطن وفالق بركاني عامودي يفصل بين الجبهتين لكل منهما اعلانه واعلامه ولكل من الجبهتين تناقضات في الرؤيا والإستراتيجية وللتاريخ أقول بأن الأستاذ وليد جنبلاط وقف موقفاً مفصلياً هادفاً جامعاً عندما ترك 14 آذار وبقي في الوسط يحاول المستحيل لمد الجسور نحو الجميع لأن الوطن لا يتحمل هذا الشرخ المرعب المدمّر والقابل للإنفجار لمطلق أي شرارة وخاصة بعد أحداث احتلال شوارع بيروت ومحاولة الهجوم على الجبل في حركة تحمل الخطر على الكيان والدستور وكل مقومات الوطن… والمكان لا يتسع لشرح كل المراحل ولكن صعود حزب الله إلى سوريا وبخلفية لم تراع لا شريك المسيرة ولا الخصم ولا الوسطيين دعماً للنظام السوري بالدم والمهج والأرواح والتي بدأت على أساس قريتين شيعيتين في سوريا وبعدها مقام الست زينب المقدس وبعدها كل سوريا وبعدها اليمن والعراق والبحرين وصولاً إلى كل أصقاع الأرض وكل ذلك تحت وطأة السلاح وثقل السلاح.

انفجار الحريري

فلم يعد يشعر اللبناني العادي بواقعية ما يحدث وكأننا في دوامة احرقت الأخضر واليابس وصولاً إلى استحالة انتخاب رئيس للجمهورية وكأننا أمام مسرحية درامية اغريقية وأمام سياسة اللامنطق كوقت ضائع حتى يتحقق الحلم الإيراني الفارسي، حلم الإمبراطورية التي تصبح حدودها المياه الدافئة على شاطىء البحر الأبيض المتوسط وقالها بكل جرأة كبار المسؤولين الإيرانيين ووقع جميع اللبنانيين في حيرة من أمرهم ولا شك أن الصدمة التاريخية التي أحدثها ترشيح سعد الحريري لسليمان فرنجية شكل منعطفاً تاريخياً حقيقياً كشف هول المؤامرة على هذا الوطن المعذب وكان الصدى الأول لدعمه عند الوزير جنبلاط للرؤيا التي يمتلكها وتتخلص عنده وعند سعد الحريري: لُحمة الوطن ووحدة الوطن واعادة التواصل على قاعدة ان فرنجية يشكل مساحة أمان لكل الذين يشككون بوصول رئيس من 14 آذار وبطبيعة الحال على قاعدة الإلتقاء عند منتصف الطريق والإتجاه إلى معالجة الأمور الحياتية التي تهم المواطن اللبناني مع اشارات من فرنجية بأنه سيكون رئيساً لكل اللبنانيين وكانت الغلطة الثالثة عند الزعيم الماروني سمير جعجع بردة فعله وترشيح عون… مشهد سوريالي بامتياز.

 المصالحة رائعة وأفرحت كل لبناني مخلص لوطنه بعد شلال الدم الذي صبغ القوات والعونيين طيلة سنتين ولكن التوقيت أحرق الأهداف السامية للمصالحة باعلان الترشيح وظهرت كردة فعل غير موفقة وضد منطق التحالف الذي يكبو ويتناقض مع نفسه عند كل منعطف سياسي وكل مفصل سياسي.

لقاء معراب

 وكانت الطامة الكبرى: مرشحان من 8 آذار ولا انتخاب لرئيس للجمهورية!!! أنا لا اسطّح الأمور ولكن مجرد العودة إلى مهام رئيس الجمهورية والعودة إلى قصر بعبدا سيبدأ اتخاذ القرارات وارساء قواعد حكومة جديدة تشرف على قانون جديد لانتخابات مجلس النواب أي اعادة روح الديمقراطية للنظام وأقلها المحاسبة وعدم النوم على مصائب ما يثور في بركان المنطقة… لن استطرد ولكن سأشدد على مشهدَيْن أساسيَّينْ: شرط السيد حسن نصرالله المشاركة في انتخابات الرئاسة إذا تأمن انتخاب ميشال عون وهو نحر حقيقي للديمقراطية والدستور والمشهد الثاني:  مواقف الدكتور سمير جعجع في مفاصل عديدة اتّسَمَتْ باعتدال مصطنع تلحق اضراره كل مسيرة 14 آذار… مسايرة لحليفه الجديد.

 وفي سياق المقالة لم أتطرق للبُعد الأخلاقي والفساد الذي طال كل الملفات وآخرها النفايات مما صبغ مسيرة 14 آذار بألوان بعيدة عن قضايا الشعب الحياتيّة اليوميّة عدا عن الإنغماس في ملذات الأبراج العالية بعيداً عن معاناة آلام الناس ومعاناتهم اليوميّة، مما فرّغ اللُّحمة المتبقية في 14 آذار وهي الثقة بقيادته المتعثّرة بالبعدين: السياسي والأخلاقي!! فكانوا مثلهم مثل الآخرين فساد بفساد…

14 آذار عيد بأية حال عدت يا عيد!!

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية 

كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

والدي والقيم والحلم المستحيل

16 آذار: فَقَدَ العالمُ معلّماً بحجمِ أُمّة!

التّقاليد المعروفية التاريخية ودورها الوطني الجامع