سقوط الجغرافيا!

رامي الريس

أن تلغي بروكسل وباريس وموسكو الإحتفالات بعيد رأس السنة الميلادية تحسباً لتهديدات إرهابية محتملة فهو إجراء يأتي كتتمة لسلسلة من الخطوات الأمنية الإحترازية التي إتخذتها مجموعة من العواصم الغربية بعد هجمات باريس في 13 تشرين الثاني 2015 والتي أدت إلى مقتل 130 شخصاً.

ومع تولي 60 ألف شرطي فرنسي حماية البلاد في هذه المرحلة الصعبة، كشفت السلطات التركية من ناحية أخرى توقيف بعض المشتبه بهم في التخطيط لهجوم إرهابي مزدوج  في أنقرة.

General view of the scene that shows rescue services personnel working near the covered bodies outside a restaurant following a shooting incident in Paris

ليس المقصود بهذا الكلام تقديم تحليل أمني، بعض الخبراء الاستراتيجيين هم الأدرى بتقديمه وتحليل أبعاده الوجستية، بقدر ما المقصود البحث في الخلفيات السياسية التي أدت إلى الوصول إلى هذه المرحلة من القلق، لا سيما مع سقوط الحدود الجغرافية للدول، وغياب الحصانات الأمنية التي كانت موضع إعتزاز الغرب لسنوات طويلة.

ولعل هذه الحقبة تذكر بعض الشيء بالموقف الذي عاشته الولايات المتحدة الأميركية بين الحربين العالميتين الأولى والثانية عندما كانت تعتمد سياسة العزلة الشاملة (Splendid Isolation) وهي كانت تظن، في مكان معين، أنها بمنأى عما يجري في أوروبا والعالم إلى أن وقع الإعتداء الضخم والشهير على قاعدة “بيرل هاربور” في السابع من كانون الأول 1941، فشكل نقطة تحول مركزية أدت إلى أنخراط أميركا في الحرب إلى جانب الحلفاء لا سيما بريطانيا وفرنسا في مواجهة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان.

Pearl Harbor 2

واليوم، بات الإرهاب يصل إلى عمق أوروبا ودول الغرب ولم يعد بالإمكان لتلك الدول أن تدير ظهرها لما يجري في الشرق الأوسط. فعوامل النزاع الأساسية إنطلقت من هذه المنطقة لا سيما مع تسهيل الغرب وتغاضيه عن قيام دولة إسرائيل سنة 1948 وإعلانها رسمياً قبل يوم واحد من إنتهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين.

فمهما حاول الغرب التعامي عن هذه الحقيقة التاريخية، إلا أنه لا يمكن الإنكار أنها كانت ولا تزال المنطلق الأساسي للحقد والكراهية تجاه ما يُسمّى “المجتمع الدولي” الذي لم يبال يوماً بإحقاق الحق الفلسطيني على التراب الفلسطيني!

العالم أصبح مختلفاً، لا سيما أن أساليب النزاع أصبحت مختلفة والقوى المؤثرة في الصراعات الدامية أصبحت مختلفة. فحروب الجيوش التقليدية مختلفة تماماً عن حروب العصابات وضربات الإرهاب والعمليات الإنتحارية!

لا شك أن ما يعتري العلاقات بين الشرق والغرب من إشكاليات وتعقيدات غير مسبوقة بات يتطلب مقاربات مختلفة عن السابق، تماماً كما صار يعتري الفهم الجماعي لبعض الفئات للنصوص الدينية تشوّهات غير مقبولة تكاد تطيح بالعديد من المسلمات الأساسية.

بين هذا وذاك، المسؤولية جماعيّة في التحرك قبل فوات الأوان!

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess