في ذكرى ميلاده، كمال جنبلاط الاصلاحي الاول في لبنان

عمر ملاعب

عمر ملاعب

نقف على مشارف الذكرى الثامنة والتسعون لميلاد المعلم كمال جنبلاط، ونحن في أمسِ الحاجة إلى إعادة النظر في دور الدولة وعمل المؤسسات العامة واتباع نهجٍ إصلاحي في عمل الادارة العامة. كمال جنبلاط الذي أرسى أولى مفاهيم الإصلاح على مستوى الحياة السياسية اللبنانية نتذكره اليوم في “رسالتي كنائب” في بلدٍ “تتبلور فيه وتتشابك وتتعانق فلسفاتٍ وعقائد ومدنيات متنوعة ومتعاكسة” وهو في بحثه في جوهر المدنية والديمقراطية والحريات الثقافية والإقتصادية إنما ساهم بإرساء أولى الخطوات باتجاه الإصلاح والتوجيه في الجمهورية الحديثة الولادة. وقد تبع “رسالتي كنائب” بإرساء إصلاحات جوهرية على مستوى عمل العديد من الوزارات والبرامج خلال حياته السياسة.

نقف اليوم أمام عجزٍ مؤسساتي وفشل لأكثر وظائف الدولة بديهية على مستوى الخدمات، ولغياب خطط تنموية تساهم في بناء مناعة مؤسساتية بوجه التخبط السياسي ، وكأن فكرة الإصلاح في الجمهورية اللبنانية مسألة خارجة عن المألوف، والمصلحون في سعيهم لإرساء أسس سليمة في الممارسة الإدارية كانهم يعملون ضد مصلحة المواطن، وما الحملة الأخيرة التي نشأت في وجه النهج الاصلاحي للوزير وائل أبو فاعور في بداية حملته على كارتلات الطعام الفاسد إلا خير دليل على فقر الفكر الاصلاحي في لبنان، وهو الذي يؤدي المهام الطبيعية الواجب انتهاجها. بيد أن الواقع السياسي المأزوم في الجمهورية يطغى على جميع مفاصل العمل المؤسساتي حيث أصبحت القاعدة شواذ والشواذ قاعدة ونهجاً.

ان كلامنا عن الإصلاح لا يأتي من موقع التنظير ولا من مبدأ إرساء أسس المدينة الفاضلة إنما من مقاربة واقعية غير مستحيلة وقابلة للتحقيق. وفي هذا الإطار وفي ظل الأجواء الإيجابية التي توحي بأن حل يتبلور في الكواليس، عله ينسحب ايضا على دور المؤسسات وعملها والبدء بعملية اعادة هيكلة وتعريف دور الادارة العامة، واتباع نهج إصلاحي تدريجي وسياسات عامة

تتجه لتطوير وحماية العمل المؤسساتي. وفي هذا الإطار نورد بعض من التوصيات للمرحلة المقبلة.

كمال-جنبلاط11

الاستثمار في الطاقات البشرية: بادئ ذي بدء إن أي عملية إصلاح حقيقي على أي مستوى تبدأ بعملية الاستثمار في الطاقات البشرية وتطويرها لتكون قادرة على مواكبة وتنفيذ السياسات والخطط الإصلاحية، وهذا يتم عبر استحداث إستراتيجية وخطة تدريب وطنية لجميع الطاقات البشرية العاملة في الإدارة العامة، بالتعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية القادرة  على القيام بهذه المهمة.

وفي هذا الإطار، السعي إلى تطوير وتمكين عمل المعهد الوطني للإدارة العامة ووصل عمله بمختلف الإدارات والوزارات للمساهمة في عملية التدريب. على أن تستكمل هذه الخطوة بعملية تدريب المدربين داخل الإدارات العامة وذلك لضمان إستمرار وديمومة المخرجات التدريبية. هذه الخطوة تعتبر الأساس لقيام اي نهج إصلاحي حقيقي عبر تهيئة البنية التحتية البشرية.

وضع استراتيجية لما يسمى بعملية تحديد المسار الوظيفي وادخال تعديلات على قوانين ضبط التوظيف والتقييم داخل الإدارات والوزارات.

كثر الكلام في الآونة الاخيرة حول الحكومة الاكترونية، التي وعلى أهميتها وإجماع معظم الباحثين في الشأن العام على انها مساهمة في استئصالها للفساد، إلا أنها ليست حلا سحرياً للقضاء على الفساد، إذ أن فاعلية الأنظمة الالكترونية والشبكات مناطة بفاعلية القدرات البشرية المحركة لهذه الشبكات، فعلينا أولا وكما ذكرنا سابقا تطوير القدرات البشرية في الادارة العامة قبل الحديث عن حكومة الكترونية.

قد تعتبر هذه التوصيات في نظر البعض سطحية وهناك عدة إصلاحات قطاعية يتوجب القيام بها والتعمق بها على كافة المستويات، لكننا نعود لنشدد بأن هذه التوصيات العامة تعتبر العمود الفقري والبنية التحتية لأي عملية اصلاحية مستقبلية تقارب الواقع ولا تقوم على مباديء التنظير الأكاديمي فحسب.

في الختام، نقف اليوم أقرب من اي وقت مضى بقرب الاصلاحي الأول، كمال جنبلاط، لا لنجدد العهد للتقدمي العلماني الإنساني فقط، وإنما لنكمل نهج الاصلاحي الأول في هذا الوطن ولنساهم من موقعنا ومكونا الوطني في بناء دولة المؤسسات المدنية.