اللامركزية الإدارية و معوقات التنمية / د.وليد صافي

لا شك في أن النقاش حول اللامركزية الإدارية في لبنان من حيث المحتوى ومدى التوسع بها وكيفية تطبيقها، يدعو إلى الحذر الشديد نظراً لطبيعة النظام السياسي وتقاسم السلطة فيه، وكذلك طبيعة النظام الإداري الذي يتسم بمركزية شديدة. هذه المركزية تعكس إلى حدٍ كبير الخوف المتراكم على وحدة الدولة والحرص على مركزية وظائفها السيادية كي لا يتحول  أي اتجاه لامركزي إداري إلى تكريس نوع من اللامركزية السياسية، لا سيما بعدما شهد لبنان في العقود الأخيرة إعادة تركيب المجال السكاني للوحدات الإدارية بشكلٍ يعزز ويزيد من حدة المخاوف التقليدية في هذا المجال.

لكن التحولات التي يعيشها العالم منذ ثلاثة عقود من الزمن والتي طالت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية والعلمية، تفترض مناقشة مسألة اللامركزية الإدارية من منظار يتفق مع هذه التحولات والتغييرات التي أكدت أفول النماذج المركزية في الإدارة وتراجع قدرتها على الإحاطة بمطالب وحاجات السكان في المناطق البعيدة عن المركز، كذلك عدم قدرة الدولة أن تقوم بمفردها بالأدوار والوظائف ذات الصلة بالأوضاع الإقتصادية والاجتماعية والتنموية والتربوية وغيرها…، كما أكدت هذه التحولات بأن مسار تطور الديمقراطية في العالم قد ولَّدَ ما يُعرف بالديمقراطية المحلية  La démocratie locale

يعالج هذا البحث موضوع اللامركزية الإدارية في لبنان في إطار قسمين: القسم الأول يتطرق إلى السياق الفكري والسياسي لللامركزية الإدارية، أما القسم الثاني فينحصر في طرح إشكاليات تطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، مع التركيز على الإشكالية المتعلقة بالعوائق التي تواجهها اللامركزية الإدارية على صعيد التنمية المناطقية في ظل طبيعة النظام الإقتصادي الذي يتركز على الخدمات والسياحة وفي ظل تمركز النشاطات الإقتصادية في بيروت ومحيطها، ناهيك عن العوائق التي يطرحها موضوع التفاوت الإقتصادي والإجتماعي بين المناطق، وانعكاس ازمة المديونية العامة على قدرة الدولة في الالتزام بتحقيق موارد مالية كافية للوحدات الادارية على مستوى الاقضية لممارسة الصلاحيات التي ستعهد بها الى هذه الوحدات بموجب قانون اللامركزية.

I ـ  السياق الفكري والسياسي لللامركزية الإدارية:

 يرتبط تنظيم الجهاز الإداري في الدولة إرتباطاً وثيقاً بشكل الدولة والنظام السياسي وتوزيع السلطة فيه، وبمفهوم السلطة فيه. وترتبط اللامركزية الإدارية بشكلٍ وثيق بمسألة الحرية الإدارية لإدارة المناطق وتعزيز الديمقراطية المحلية لتمكين الجماعات  المحليــة   Les colléctivités Localesمن المشـاركة الحقيقيـة في إدارة المصالح المحلية Les intérêts locaux

1 ـ  سياق تطور اللامركزية الإدارية:

 

لم يعرف تطور اللامركزية الإدارية مساراً واحداً في الدول التي عملت على تطبيقها إن على مستوى البلديات أو المجالس المحلية المناطقية، وذلك لإرتباطها بالتطور السياسي في المؤسسات السياسية، وفي العوامل التاريخية والسياسية والإقتصادية والاجتماعية التي تميز المجتمعات. لذلك نجد أن تطور الحكم المحلي في إنكلترا هو مختلف تماماً عن تطور اللامركزية الإدارية في فرنسا التي تختلف كثيراً عن تجربة الحكم المحلي في كلٍ من ألمانيا وبلجيكا وايطاليا واسبانيا. وعليه فان تطور الحكم المحلي في الدول ذات انظمة المشاركة يختلف عن تطوره وقواعد ممارسته في الدول ذات الانظمة التنافسية.

أما تطور الدولة فقد عرف أيضاً مساراً مختلفاً، فالدولة في أوروبا نجمت عن تطور المجتمع، “وهذا التنظيم السياسي” أي الدولة: تشكل رويداً رويداً تحت تأثير الإقتصاد والدمغرافيا والأخلاق في كل بلد على حدى. إن السيرورة التاريخية للدولة في المجتمعات الغربية تطورت من أسفل إلى أعلى، أما في الشرق فالدولة هي التنظيم السياسي الذي أوكلت إليه مهمة تنظيم المجتمع حيث البنية السياسية هي التي تحدد البنية الاجتماعية. من هنا تنبثق إشكالية دور الدولة في المجتمعات الشرقية، لانها تبدو إلى حدٍ بعيد تنظيماً سياسياً مستقلاً عن المجتمع. وعلى العكس فالدولة في الغرب هي الجزء المميز في المجتمع حيث تساهم في إقامة التعاضد بين أفراده وتراقب التربية الوطنية، وتسعى إلى التخفيف من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين، وتدير لأجلهم الخدمات المشتركة التي تتأسس على فكرة المنفعة العامة.

أما المجتمع المدني فهو يتأثر بشكلٍ واسع في النشاطات السياسية، وانطلاقا من ذلك فهو يحدد بالسياسة. وبالعكس، لا يمكن فهم الجتمع المدني في النشاطات التي تدور فيه ولا في إستقلاليته عن الأجهزة المختلفة للدولة، فهو يفهم بالشكل الذي تمنحه إياه العلاقات والروابط بين التكتلات الاجتماعية. بهذا المعنى،” فالدولة ليست جزءاً مستقلاٍ” عن المجتمع إنما العنصر المميز فيه.” من هنا فإن تخلي الدول التي تشكلت وفق هذا المسار عن جزء من صلاحياتها ومواردها المالية للمجموعات المحلية أو الإقليمية، قد جاء حتى في الدول ذات المركزية العريقة كفرنسا كجزءٌ من التطور الديمقراطي للمجتمع بأسره وكيفية إدارة المصالح فيه، إن على الصعيد الوطني الذي بقيت المصالح المرتبطة به محصورة في يد الدولة أو على الصعيد المناطقي حيث المصالح المحلية قد اصبحت تحت الإدارة المحلية المنتخبة.

من الطبيعي أن تتعدى اللامركزية الإدارية والتي تبقى ذات طبيعة إدارية المفهوم التقني الذي يستوجب معرفة الصلاحيات، فهي في الواقع رهان سياسيEnjeu politique    تقاس من خلاله العلاقات الضمنية لهذا الرهان. هذه العلاقات تبدو في كثير من الأحيان علاقات شائكة ومعقدة لأنها ترتبط بإعادة توزيع السلطة الإدارية بين الدولة والهيئات المنتخبة وبتعميم التجربة الديمقراطية على الإدارة. وفي هذا المجال، يقول العلامة هوريو Hourio إن البلد ليس بحاجة فقط إلى الإدارة إنما يحتاج أيضاً إلى الحرية السياسية، أما ألكسي دو توكفيل Tocqueville فيذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يقول بأنه دون المؤسسة اللامركزية لا يمكن للأمة أن تكون لديها روح الحرية Esprit de la liberté

إن إعتبار اللامركزية الإدارية هي ذات رهان سياسي، يتوافق مع مفهومها التقليدي بإعتبارها نموذج من العلاقة بين السلطة والمؤسسات الإقليمية التي لا تتمتع على أي حال بأي سلطة سياسية. إن عدم إعطاء المؤسسات الإقليمية أي سلطة سياسية ، لم يشكل عائقاً في مختلف الدول باعتبار حرية الإدارة للمؤسسات الإقليمية ذات قيمة دستورية لأنها مرتبطة بالحرية.

إن المسار المختلف لتطور اللامركزية الإدارية بين الدول التي تتبنى أشكال مختلفة في التنظيم السياسي، لم يمنع الدول ذات المركزية العريقة والتي تشكل وحدة الدولة فيها إرتباطاً وثيقاً بعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية من تبني مفهوم اللامركزية الموسعة مع الاحتفاظ بضوابط دستورية وقانونية تمنع المساس بوحدة الدولة. لقد كرست قوانين اللامركزية الإدارية في فرنسا منذ قانون 2 آذار 1982 مرورا بالقانون الدستوري في 28 آذار 2003 ووصولاً الى قانوني 2004 و2005 التحول الجديد في بعض المفاهيم المتعلقة باللامركزية الإداريـة حيث أصبحت الجماعات المحليـة جماعـات إقليميــة  Les colléctivités territoriales   ، وقد كرس هذا البعد الجغرافي في الدستور الفرنسي واحتفظت الدولة كضمانة رئيسية لوحدتها بممارسة وظائفها السيادية، كالسياسة الخارجية والعلاقات الديبلوماسية والدفاع والأمن الوطني والقضاء والعملة والقوات المسلحة، كما أن الضمانات القانونية تكرست على مستويات أخرى حيث اقرت قوانين اللامركزية بمسؤولية  القضاء الإداري في البت في الطعون الانتخابية العائدة لإنتخابات البلدية والمناطقية وذلك لتكريس الطبيعة الإدارية لللامركزية الإدارية، في حين ترك للمجلس الدستوري مسألة البت بقضايا ذات صلة بحرية الإدارة الإقليمية نظراً لإرتباطها بالحريات العامة. ومن الضمانات التي كرستها قوانين اللامركزية الإدارية في فرنسا لضمان وحدة الدولة حق المسؤول الحكومي في المناطق(le préfet ) الرقابة على قانونية وشرعية قرارات الإدارة المحلية .

أما بالنسبة للدول ذات أنظمة المشاركة ومنها لبنان والتي تتميز بالانقسامات العامودية الثقافية والدينية والعرقية، فإن تبني النمط اللامركزي فيها يلعب دوراً كبيراً في التخفيف من حدّة هذه الانقسامات، كذلك تلعب السياسات والإجراءات التي تهدف إلى احتواء التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق والمجموعات المختلفة دوراً حاسماً في استقرار نظام المشاركة وآليات عمله . ومن الطبيعي أن تقوم في مثل هذه الأنظمة التي تعتمد على الشراكة أنظمة إدارية تسمح بتوسيع قاعدة الشراكة وتوزيع الموارد الحكومية بشكل يمنع تطور مناطق أو مجموعات على حساب مجموعات ومناطق أخرى.

1 ـ  اللامركزية الإدارية في ضوء إتفاق الطائف عوائق وإشكاليات :

لم يخرج لبنان عن السياق الحذر لتطور اللامركزية الإدارية الذي عرفه عدد من الدول ذات الحساسية الشديدة على مسألة المركزية والتي اعتبرت وما تزال إحدى أهم الضمانات لتكريس وحدة الدولة ومنع تقسيمها أو إنشطارها. ولقد لعبت الإنقسامات اللبنانية العامودية دوراً كبيراً في تغذية هذه المخاوف حين برزت على السطح عدة مشاريع سياسية تهدف إلى تغيير الهيكل السياسي للنظام اللبناني واقامة بنية فدرالية تتوافق مع فدرالية الطوائف القائمة على الصعد المختلفة، لاسيما منها التعليم والاحوال الشخصية، لكن هذه المخاوف والتعقيدات التي رافقتها لم تمنع من تبني خيار اللامركزية الإدارية الموسعة في وثيقة الوفاق الوطني كجزء من الإصلاحات التي اتفق على اعتبارها ضرورية لإصلاح الخلل القائم في الدولة ولتعزيز المشاركة التي تعتبر احدى القواعد الاساسية في ضمان استقرار انظمة التوافق والمشاركة.

إن اعتماد مبدأ اللامركزية الإدارية الموسعة في إتفاق الطائف يعني الاقرار بعجز النظام الإداري المركزي عن مواكبة التطورات والانتقال إلى عملية تغيير واسعة في البنية الإدارية وفي ذهنية إدارة المصالح الإقليمية أو المناطقية. ثمة اعتراف ضمني بوجود مصالح مناطقية تختلف عن المصالح الوطنية، لكن هذا الاقرار بعجز النظام المركزي يبدو انه لم يترافق مع ارادة سياسية واضحة باعتماد نمط لامركزي غير مقيد بالسلطة المركزية. لذلك نرى استنساخاً لجزء من التجربة الفرنسية قبل العام 1982 حيث يولي المسؤول الحكومي المحلي  رئاسة المجلس المنتخب، وتلعب سلطة الوصاية دوراً كبيراً في تنفيذ عمل المجالس البلدية والمحلية.

ولكن على الرغم من العجز الذي يعانيه النظام المركزي في تلبية حاجات المناطق وفي لعب دور إيجابي في التنمية المحلية،  يبدو ان التناقض القائم بين عجز النظام المركزي وعدم المبادرة إلى إطلاق اللامركزية الواسعة وفقاً لما نص عليه إتفاق الطائف، ما يزال يفعل فعله. ان عدم اطلاق اللامركزية الادارية الموسعة، يخفي رهانا سياسيا يزيد من مأزق المركزية المفرطة ويجعل الصراع على الامساك بقرار المركز واحدا من ادوات التوتر السياسي القائم، لاسيما وان الصراع هذا يرتبط من جهة بفهم متناقض لمحتوى التوافقية اللبنانية وبرغبة لدى فريق معين إعادة النظر باتفاق الطائف من جهة أخرى.

2- شروط تحقيق اللامركزية الإدارية :

ـ         ان تحدد صلاحيات نوعية لصالح الجماعة المحلية بصورة “المصالح المحلية”.

ـ       أن تكون هذه المصالح المحلية مأخوذة على عاتق السلطات المحلية المستقلة والمنتخبة.

ـ       أن تتمتع إدارة السلطات المحلية المتعلقة بالمصالح المحلية باستقلال مالي واداري.

ويتطلب قيام اللامركزية الإدارية أيضاً تأسيس البنى التحتية التالية:

ـ       تحديد المجال الجغرافي وتكريسه دستوريا.

ـ       تنظيم الموارد المالية للجماعات الاقليمية.

ـ       اصدار التشريعات والأنظمة المتعلقة بالممثلين المحليين.

ـ       تحديد الأطر الانتخابية من حيث الدوائر وإنماط الاقتراع.

إن التجربة اللبنانية في موضوع اللامركزية الادارية على مستوى البلديات ما تزال محاصرة بثقل ممارسة سلطة الوصاية والتعامل مع البلديات كمؤسسة من مؤسسات الدولة وليس كمؤسسة للحكم المحلي. وقد فهمت العلاقة بين الدولة والبلديات من قبل عدد كبير من الوزراء المتعاقبين كآلية لاعادة مركزة القرارات ولتدخلات تدعم الذهنية المركزية. كما أن هذه التجربة لاقت عوائق كبيرة على مستوى الموارد المالية حيث لا يوجد أي توازن بين مستوى الصلاحيات التي عهد بها إلى البلديات بموجب القانون، والموارد المالية المتوفرة لممارسة هذه الصلاحيات، والمقاربات  التي ما تزال تطرح لتعزيز موارد البلديات هي مقاربات تقليدية عاجزة عن تأمين حاجات التنمية الفعلية للبلدات والقرى. لقد شكل عدم الإلتزام بالقوانين المتعلقة باللامركزية، لا سيما في موضوع الموارد المالية عقبة رئيسية امام تطور عمل المجالس البلدية واتحادات البلديات. وتشكل إعادة تطبيق النص القانوني المتعلق بتوزيع عائدات البلديات من موارد الاتصالات الحكومية والمطروح في مشروع موازنة العام 2010 بداية الخروج من عقلية الالتفاف على القوانين.

ولا شك في أن تجربة العمل البلدي بقيت تجربة ديمقراطية نخبوية  أفادت منها النخب المحلية بشكل اضعف مشاركة السكان المحليين الذين اقتصر دورهم على الاقتراع في العملية الانتخابية التي تجري كل ست سنوات. وقد ساعد هذا الصعود النخبوي في تجربة العمل البلدي الهجرة المتزايدة من الريف الى المدن والتي جعلت سكان الارياف الوافدين الى المدن والقاطنين فيها اقل اهتماما بالشأن المحلي.

وهذا الاتجاه النخبوي في العمل البلدي لم يساعد في تطوير وتعزيز أشكال الديمقراطية المحلية التي تعتبر واحدة من أهم أسباب تطور اللامركزية وحرية الادارة على المستوى المحلي. وبالاضافة إلى تلك الاشكاليات القائمة نرى بروز عقبات وإشكاليات اعاقت تجربة الحكم المحلي وقد تعيق تطبيق اللامركزية الادارية الموسعة وتتمثل   بالآتي:

ـ       عدم وجود ارادة سياسية واضحة في الدولة للقيام بحركة تغيير تؤدي فعلاً إلى تبني اللامركزية الادارية الموسعة على صعيد البلديات والاقضية، من خلال تنظيم إداري لامركزي يحترم شروط قيام اللامركزية وكذلك وعدم وجود استعداد وربما امكانية فعلية لتحرير الموارد المالية اللازمة لممارسة الصلاحيات على المستوى المحلي في ظل ازمة المالية العامة.

ـ       ترتبط اللامركزية الادارية بشكل جذري بمسألة الحريات، فهل توجد ارادة سياسية بأن يكفل الدستور اللبناني حرية الادارة الاقليمية ويخصص للامركزية باباً من أبواب الدستور؟

ـ       تفترض اللامركزية الادارية الموسعة الاعتراف بممارسة الصلاحيات المحلية في إطار من الحيز الجغرافي الذي يجب أن يكرس دستورياً على غرار ما كرس في فرنسا وغيرها من الدول حيث أصبح للجماعات المحلية صفة الجماعات الاقليمية  Les colléctivités territoriales  . هل الدولة على استعداد لتكريس الجزء الجغرافي دستوريا، وهل هي على استعداد لإعطاء مجالس الاقضية ولاحقاً مجالس المحافظات صلاحيات  ذات بعد اقتصادي، وبالتالي تكريس اللامركزية الموسعة كأداة للتطوير والتنمية المناطقية؟

ـ       تفترض اللامركزية الادارية كنتاج لتطور الديمقراطية التساؤل عن امكانية التوفيق بين اللامركزية كأداة لتطوير الديمقراطية المحلية وتراجع الديمقراطية على المستوى الوطني لصالح تكريس فدرالية مذهبية والاسئلة المطروحة في هذا المجال. هل ستخضع آليات اتخاذ القرار في مؤسسات الحكم المحلي لذات الآليات التي تتحكم بالقرار في المؤسسات الدستورية؟ هل ستشكل العائلية   عقبة امام تطور الديمقراطية المحلية كما شكلت الطائفية السياسية عقبة امام تطور النظام السياسي؟

ـ       اللامركزية كأداة للتنمية المناطقية تفترض التساؤل عن كيفية نجاح هذا الخيار في ظل نظام اقتصادي ريعي لا ينتج سوى الخدمات مع تمركز حاد للنشاطات الاقتصادية في بيروت وضواحيها.

II- اللامركزية الادارية والبعد التنموي :

يشكل موضوع التنمية المستدامة احدى المفاهيم والرهانات التي شهدها العالم مع بداية الالفية الثانية، كما تشكل البيئة ارتباطا وثيقا بموضوع التنمية، وقد بات واضحا ان التنمية التي ترتبط بالابعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والمدنية تتصل بشكل وثيق بنوعية الادارة السياسية للشؤون العامة وللموارد في كل دولة. ومع تطور المفاهيم على الصعيدين العالمي والوطني، لاسيما منها المرتبطة بالحكمية كصيغة ادارة سياسية عامة لا حصرية ولا مركزية، ومع صعود مفهوم المشاركة بين الدولة والمجتمع المدني وتراجع الحدود الفاصلة بين القطاعين العام والخاص، لم يعد ممكنا لاي دولة ان تتبنى المركزية كخيار لمواجهة تحديات التنمية او غيرها من التحديات التي يفرضها محيط اجتماعي واقتصادي وتكنولوجي شديد الاضطراب ويحمل معه مفاجآت مليئة بالمخاطر. لكن السؤال الذي يطرح في هذا المجال، يتعلق بكيفية جعل اللامركزية الادارية جزءا او آداة في عملية التنمية في حين ان الاقتصاد الوطني غير متوازن بين قطاعاته الإنتاجية، ويعاني من تمركز حاد للنشاطات الاقتصادية، كما يرتكز الإنتاج فيه على الخدمات بدل السلع. وفي حين تفرض الازمات المالية اللاحقة على الدول ان تعيد النظر في نماذجها الاقتصادية التي اتجهت اكثر فاكثر نحو قطاعات الخدمات المالية، لتعيد وتعطي قطاعي الزراعة والصناعة أهميتهما على صعيد الناتج الوطني، يسير الاقتصاد اللبناني والسياسات الحكومية عكس هذا التيار فيتم التركيز على قطاع الخدمات وإغفال قطاعات اقتصادية هامة كالزراعة والصناعة والتكنولوجيا.

لقد شكل التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق وبين الطوائف احدى السمات البارزة للتجربة اللبنانية، ومن المعروف ان هذا التفاوت يشكل في انظمة المشاركة سببا رئيسيا من اسباب ضعف الاستقرار، حيث تفترض الانظمة التوافقية وجود نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي بين مكونات المجتمع المنقسم عاموديا.

وعلى الرغم من تبني اتفاق الطائف لمسألة الانماء المتوازن والذي اعطي بموجب التعديلات الدستورية في العام 1990 قيمة دستورية، لا يبدو ان التنمية المناطقية تشكل اولوية من أولويات الحكومات المتعاقبة. ومن غير المفهوم من الناحية السياسية ان تحتل احزاب الاطراف موقعا هاما في السلطة المركزية ما بعد الطائف وتصبح ذات ثقل سياسي كبير في دائرة القرار المركزي، في حين تبقى عاجزة عن التأثير في رسم سياسة اقتصادية تفتح الطريق نحو الانماء المناطقي الذي اصبح حاجة ماسة ليس لتنمية المناطق فقط بل لتوسيع قاعدة الاقتصادي الوطني.

1 - ما هي معوقات التنمية في المناطق؟

على الصعيد السياسي والاقتصادي

- غياب السياسات العامة لمسالة التنمية الوطنية الشاملة وكذلك غياب السياسات القطاعية les politques sectoielles

- ضعف التضامن الحكومي وغياب الرؤية الاقتصادية الشاملة للاقتصاد والوطني.

- اعتماد الاقتصاد على قطاع الخدمات والمصارف والعقارات.

- تمركز حاد في النشاطات الاقتصادية.

- الهجرة الريفية المتزايدة.(حوالي 50% من السكان يقطنون في المدن الرئيسية)

- عدم وجود بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات.

- ضعف قطاعي الزراعة والصناعة.

على الصعيد المالي:

- ازمة المديونية العامة وارتفاع خدمة الدين العام.

- تمركز التسليفات  المصرفية في بيروت وضواحيها.

- الكلفة المرتفعة للتسليفات المصرفية.

ان معوقات التنمية على الصعيد المناطقي تشكل واحدة من العقبات الرئيسية في وجه الدور التنموي لمؤسسات الحكم المحلي على مستوى البلديات واتحادات البلديات والاقضية. وفي المقابل، فان هذه المسألة تؤثر بشكل بالغ في امكانية توفير موارد مالية محلية للاضطلاع بالمسؤوليات والصلاحيات التي يعهد بها الى مجالس البلديات والاقضية. وفي استمرار غياب التنمية ستبقى هذه المجالس تحت رحمة السلطة المركزية لتوفير مواردها المالية. هذا الواقع يؤثر ايضا على مبدأ حرية الادارة المحلية ويعيد انتاج حلقة الذهنية المركزية. هذه الفرضية تؤكدها اوضاع المناطق على المستوى الاقتصادي والمؤشرات المرتبطة بها وبالاقتصاد الوطني.

يلعب عدم وجود توازن بين القطاعات الاقتصادية ومساهمتها في الناتج الوطني دورا رئيسيا في معوقات التنمية المناطقية حيث يأتي 75% من الناتج المحلي من الخدمات والتجارة، بينما يساهم القطاع الزراعي بسنبة 6% من هذا الناتج. ويأتي توزع التسليفات المالية المستعملة على القطاعات الاقتصادية (احصاءات 2008) وتوزع هذه التسليفات على المناطق، انعاكسا لهذا الخلل في الاقتصاد الوطني وللتمركز الحاد في النشاطات الاقتصادية.

يشير التقرير السنوي للعام 2008 لمصرف لبنان ان قطاع التجارة والخدمات قد حصل على 41% من اجمالي التسليفات، بينما حصل قطاع الصناعة على 12% وقطاع الزراعة على 1% من هذه التسليفات. مع الاشارة الى انه بين الاعوام 2005 و2007 حصلت زيادات في الاستثمار في قطاع الزراعة بنسبة 16.5% ونال هذا  القطاع من الكفالات التي اصدرتها شركة كفالات في العام 2008 حوالي 378 كفالة من اصل 900 كفالة.

لقد اشار التقرير ذاته الى ان حصة بيروت وضواحيها من التسليفات المالية المستعملة على المناطق قد بلغت عام 2008 نسبة 82.7% من اجمالي التسليفات، في حين لم يتعدى نصيب الشمال 3.4% والجنوب 3.2% والبقاع 3.2%، علما ان مساهمة هذه المناطق في الودائع المصرفية تفوق  نسبة التسليفات التي تحصل عليها، حيث يشير تقرير 2009 الصادر عن مصرف لبنان ان نسبة مساهمة هذه المناطق في الودائع بحسب المحافظة بلغت 18.46% وبحسب المودعين حوالي 34% .

اما المؤشرات العائدة للتوازن بين المناطق فان الدارسة الوطنية للأحوال المعيشية في لبنان في العام 2004 قد أشارت الى ان حوالي 50% من الأسر اللبنانية تعاني من نسبة منخفضة من الاشياع في الميدان الاقتصادي ، و 34.7% في ميدان التعليم، و 31.9%في ميدان الصحة و 29.8 % في ميدان المياه والكهرباء و الصرف الصحي و 24.7% في ميدان السكن.

ان التفاوت في الميادين المشار اليها اعلاه على صعيد المناطق يشير الى ان نسبة الحرمان الاعلى في الميدان الاقتصادي والتي تتراوح بين 67% و 56% قد ظهرت في النبطية والشمال والجنوب والبقاع، وفي ميدان التعليم يأتي ترتيب نسبة تدني الاشياع في هذه الحاجة في الشمال ثم النبطية، حيث 60% من سكان المنطقتين لم يتعدى المستوى التعليمي المستوى الابتدائي. اما في ميدان الصحة فان نسب الحرمان متقاربة بين الشمال والجنوب والبقاع، ويشكل الشمال والبقاع حوالي 50% من الاسر ذات درجة اشياع متدنية في الخدمات الصحية مقابل 2% فقط في بيروت.

واذا كان توزع المشاريع المنفذة والتي هي قيد التنفيذ ما بين الاعوام 1992 و2008 قد بلغ نسبة 47% على المستوى الوطني و53% على المستوى المناطقي، إلا ان تنفيذ هذه المشاريع في المناطق لم يجرِ في إطار رؤية متكاملة او خطة عائدة للسياسات القطاعية، بل جاء وفق توزيعات لها طابع سياسي ومذهبي وطائفي مرتبطة بهذا النموذج من تقاسم النفوذ والسلطة بين القوى الساسية التي تتنازع القرار على المستوى المركزي.

اما على الصعيد التنموي، لا يمكن للبلديات او مجالس الاقضية ان تلعب دورا تنمويا الا من خلال تحرير الموارد المالية اللازمة، لذلك فالمطلوب رؤية غير تقليدية لمسألة الموارد حيث ترتبط هذه الاخيرة بالحاجات التنموية وبحجم الصلاحيات التي تخلت الدولة في ممارساتها لصالح الادارات المحلية، وليس بعدد السكان  المسجلين على سجلات النفوس، كذلك ترتبط بتطوير سياسة تمكين الوحدات الادارية من تعزيز مواردها المحلية. ان تعزيز الموارد المحلية يتطلب خطة متماسكة على الصعيد الوطني تؤدي الى توسيع قاعدة الاقتصاد وخلق بيئة استثمارية على صعيد المحافظات ترتبط بالميزات التفاضلية لكل محافظة واشراك مؤسسات الحكم المحلي في التخطيط للتنمية المحلية. يشكل خلق البيئة الاستثمارية في المحافظات عاملا هاما لاعادة توزيع النشاطات الاقتصادية بشكل يخفف من حدة التمركز الحالي  الذي يعتبر واحدا من المعوقات الحقيقة للتنمية المناطقية، كما تشكل الرؤية الجديدة المعبر عنها في موازنة العام 2010 خطوة جريئة لزيادة الاستثمار وتكرس الشراكة بين القطاعين العام والخاص للقيام بمشاريع ذات بعد تنموي على المستويين الوطني والمناطقي. وقد تكون المباشرة بمشاريع قطبية على مستوى المحافظات والتي تناولتها ورقة العمل المقدمة من رئاسة مجلس الوزراء حول إنماء المناطق بتاريخ 23/3/2009 خطوة هامة لتطوير اقتصاد المناطق وتوسيع الاقتصاد الوطني.

وعملاً بالمبدأ الذي يقول بأن نقل الصلاحيات من السلطة المركزية يقابله توفير الموارد المالية اللازمة لممارسة هذه الصلاحيات، يمكن الاستلهام من التجربة الفرنسية وغيرها من التجارب  وقيام الحكومة اللبنانية بتحويل مساعدات الى أجهزة اللامركزية تترتبط بالصلاحيات المعطاة لهذه الأجهزة وبالتجهيز والتشغيل.

واذا توفرت الارادة السياسية اليوم لاطلاق اللامركزية الادارية الموسعة، فان هذا   المشروع يجب ان يأتي في اطار حركة تغيير تشمل بنية النظام الاداري باتجاه تبني نظام لامركزي على مستوى  الاقضية والمحافظات يكفله الدستور والقانون وفي المقابل، تحتفظ الدولة بكل الوظائف السيادية كضمانة لوحدتها وبالرقابة على عمل الوحدات الادارية لاسيما رقابة القائمقامين والمحافظين على شرعية وقانونية اعمال المجالس المحلية، هذه الضمانات من شأنها ان تعزز الطبيعة الادارية للامركزية كي لا يتحول هذا الشكل التنظيمي الى اداة لتفتيت وحدة الدولة.