الأزمة النووية الإيرانية: مفكِّرة

IranBusshehr

پاتريك كلاوسون
معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى

“في هذا المقال يستعرض مدير الأبحاث في معهد واشنطن ثلاث دراسات حديثة حول طموحات إيران النووية ومدى انسجامها مع الاستراتيجية الإقليمية الأوسع نطاقاً للنظام وموقفه التفاوضي: “الأزمة النووية الإيرانية: مذكرة” بقلم السيد حسين موسفيان، “إيران: التحدي النووي” للكاتب روبرت بلاكويل (محرر)، و”المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران” للباحثين أنتوني كوردسمان، آدم موسنر، وآرام نركيزيان.”

شهد عدد من القضايا في السنوات الأخيرة مفاوضات دولية عالية المستوى بشأن برنامج إيران النووي. ولكن للأسف، ربما ستصبح رواية موسفيان، صانع سياسة إيراني وباحث، القول الفصل بشأن تلك الجهود. إن العمل الأكثر أهمية، والذي يرجح ألا يحظى بالكثير من الانتباه، هو ذلك الذي أعده فريق بقيادة أنتوني كوردسمان من “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، الذي يتناول بالتفصيل مدى انسجام برنامج إيران النووي مع التحدي الأوسع نطاقاً الذي يواجه المصالح الأمريكية من الجمهورية الإسلامية.

تكتسب رواية موسفيان مصداقية بحكم موقعه السابق كمتحدث باسم الفريق الإيراني للمفاوضات النووية وكذلك من خلال الترويج القوي لرؤاه في التلفزيون الأمريكي والمحاضرات التي كان يلقيها أمام منتديات النخبة. إن قصته الشخصية مثيرة للانتباه: فكمسؤول هام في “المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني” تعرض فعلياً للسجن بسبب معارضته للرئيس محمود أحمدي نجاد وهو الآن زميل في جامعة برينستون، لكن من الواضح أنه لا يزال يدعم الجمهورية الإسلامية بقوة. ولكن السبب بأن كتابه سيصبح مرجعاً معيارياً لا يرتبط بالضرورة بتاريخه السابق: بل إلى العناية التي تم إعداد الكتاب بها، حيث يتضمن 1,113 حاشية سفلية تحيل القارئ إلى جميع المصادر الصحيحة. ويسرد موسفيان الحقائق بالتفاصيل واحدة تلو الأخرى، ويوفر مراجع للتحقق ومزيد من القراءة.

ولكن على الرغم من أن موسفيان يذكر التفاصيل بشكل صحيح، إلا أنه يعرض الأزمة النووية بطريقة مضللة للغاية. وتمثلت المعضلة الرئيسية بصورة دائمة في أن إيران لم ترتق بالتزاماتها بموجب الاتفاقات الدولية التي أبرمتها. كما أن “اتفاقية حظر الانتشار النووي” هي في جوهرها مقايضة: فالدول لها الحق في امتلاك تقنية نووية خطرة إذا قبلت المسؤولية عن إبداء الشفافية الكاملة حول ما تفعله. والمفارقة هي أنه لو كانت إيران — وهي من الدول الموقعة على “اتفاقية حظر الانتشار النووي” — قد التزمت بمتطلبات المعاهدة لما كانت واشنطن قد رضيت إلى حد كبير من التقدم النووي الإيراني ولن يكون بوسعها فعل الكثير لحشد الضغط الدولي. وفي هذه القضية، مثلما هو الحال في العديد من القضايا الأخرى، ارتكب زعماء الجمهورية الإسلامية أخطاء منهجية في الحسابات التي تكمن فيها مصالح إيران القومية. وهذا التوجه، الذي يشاطرهم فيه موسفيان، هو التغطرس الشديد الناجم عن تأكيد الحقوق لكن مع رفض المسؤوليات.

ويرى موسفيان أن إيران لم تفعل شيئاً قط أسوأ من خسارة بعض الفرص التكتيكية. وهو يرى أن ذلك لم يحدث إلا بعد أن ترك وظيفته. ويعطي موسفيان حجة مقنعة مفادها أن مصالح إيران قد تحققت بشكل أفضل من خلال اتباع سياسته، التي كانت تقوم على ذر الرماد في عيون الغرب بدلاً من تجاهلهم بشكل تام. ويقول إن المفاوضات المطولة أقنعت أوروبا بأنه ينبغي عرض حوافز على إيران بدلاً من عقابها من أجل إقناعها بالدخول في المزيد من المفاوضات وتقديم المزيد من التنازلات المؤقتة. وقد فهم فريقه أهمية المعقولية، بينما يبدو أن أولوية المرشد الأعلى علي خامنئي تقوم على ما أسماه آية الله مقاومة “التغطرس العالمي” (راجع دراسة  كريم صادق بور،”قراءة خامنئي: وجهة النظر العالمية لزعيم إيران الأكثر قوة”، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2008، ص 3، 23، راجع أيضاً خطاب خامنئي في طهران من 9 أيلول/سبتمبر 1998).

وعلى النقيض من سجل إيران الحافل، ينظر موسفيان إلى الغرب — وخاصة الولايات المتحدة — على أنهم يتخذون دائماً مواقف غير معقولة ويضيعون فرص تحسين العلاقات. لكن مما لا يدعو للدهشة أن هناك إغفال واضح: فغالباً ما تلقى إدارة جورج دبليو بوش انتقاداً حاداً بسبب رفضها “اتفاق شامل” من قبل إيران في أيار/مايو 2003 كان يتمثل ببدء محادثات مع واشنطن بشأن جميع القضايا التي تفصل بين البلدين. لكن موسفيان لا يذكر ذلك مطلقاً.

وفي حين يدرك موسفيان أن هناك العديد من القضايا بالإضافة إلى البرنامج النووي التي تفصل بين واشنطن وطهران، إلا أن تقرير “إيران: التحدي النووي” الصادر عن “مجلس العلاقات الخارجية” الأمريكي الذي حرره بلاكويل، يتجاهل ذلك السياق الاستراتيجي بكل بساطة. وفي حين أنه يمكن القول بأن تقرير “مجلس العلاقات الخارجية” يتطرق قصداً إلى القضية النووية فقط، إلا أن الرد الواضح هو أن سعي إيران لامتلاك قدرات نووية لا يأتي بمعزل عن أنشطتها الأخرى، كما أن مصالح الولايات المتحدة الحيوية حول إيران لا تقتصر على برنامجها النووي. ويمكن تبرير معظم العقوبات الأمريكية بشأن إيران كردود فعل على دعمها للإرهاب، وليس على برنامجها النووي فقط.

إن هذا التركيز الضيق على برنامج إيران النووي هو الأكثر وضوحاً في ضوء الفكرة الرئيسية من مقال بلاكويل الختامي الذي يتطلع ببصيرة نافذة: فكّر ملياً ولا تقفز إلى استنتاجات. فهو يحذر من التبعات غير المتوقعة والقياسات السطحية والبراهين الكاذبة والتفكير قصير الأجل الذي يتجاهل التبعات على المدى الأطول. ويقترح إحدى عشرة مسألة وجيهة لتركيز التفكير على هجوم وقائي محتمل، الأمر الذي يضفي عمقاً معرفياً هائلاً على الموضوع. ومما يدعو للأسف أنه لا يكاد يذكر مدى تأثير الإجراءات الخاصة بالقضية النووية على المصالح الأمريكية الأوسع نطاقاً فيما يتعلق بإيران. وعلى وجه التحديد، يقوم مقاله بصفة أساسية على الفكرة بأن الجمهورية الإسلامية هي حقيقة، وليس نظاماً غير طبيعي أصبحت أيامه معدودة. وإذا خلص المرء إلى أن الجمهورية الإسلامية ستختفي يوماً ما، فإن تفكير السياسة الأمريكية يجب أن يركز بشكل أكبر على التوقيت: إذ يصبح تأخير البرنامج النووي مساراً محتملاً للتوصل إلى تسوية ناجحة للمشاكل بين البلدين، وهذا يعتمد على السياسة النووية التي قد يتبعها أي نظام يخلفه.

كما يوفر المؤلفون الستة الآخرون لمجلد “مجلس العلاقات الخارجية” المزيد من الرؤى بشأن العقوبات والمفاوضات والخيارات العسكرية وتغيير النظام وتداعيات تحول إيران إلى دولة نووية، فضلاً عن ما هو معروف عن البرنامج النووي الإيراني. لكن رؤيتهم ترتكز على القضية النووية إلى درجة إغفال جميع الأشياء الأخرى بصفة أساسية. على سبيل المثال، بينما يعرض مقال إليوت أبرامز بشأن تغيير النظام تقييماً رصيناً للبرامج الأمريكية الحالية واقتراحات عملية بالبدائل، إلا أنه يخصص جملة واحدة فقط للمزايا غير النووية التي ستعود على المصالح الاستراتيجية الأمريكية حال سقوط الجمهورية الإسلامية. ولا شك أن نهاية نظام الملالي ستكون له تبعات هائلة على الحركات الإسلامية العالمية وعلى الشرق الأوسط. وهنا نتناول نقطة واحدة تشغل حلفاء الولايات المتحدة في الخليج الفارسي: إذا أقامت واشنطن علاقة عمل وثيقة مع طهران صديقة، فهل ذلك سيجعل العلاقات مع الملكيات الخليجية أقل أهمية بالنسبة للإدارات الأمريكية؟ وفي ظل ظروف كهذه، قد تختار واشنطن أن تكون أكثر دعماً للقوى الداعية إلى تطبيق إصلاحات ديمقراطية في تلك البلدان، وهو احتمال يُقلق بشدة العائلات الحاكمة.

وفي مقابل التركيز الضيق لمجلد “مجلس العلاقات الخارجية”، فإن مكمن القوة في تقرير “المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران” هو أن كوردسمان وغيره من الكتاب المشاركين يقدمون وصفاً وافياً للعلاقات الأمريكية- الإيرانية. فهم يظهرون أن الولايات المتحدة وإيران تخوضان حرباً منخفضة المستوى، أو أنهما في “منافسة استراتيجية”، وهي عبارة غالباً ما تستخدم في دوائر الأمن القومي. ولتلك الحرب جبهات عديدة، يتناولها المؤلفون بقدر كبير من التفاصيل (المفرطة في بعض الأحيان). وهناك فصول منفصلة، شارك في كتابتها عموماً كوردسمان وواحد أو أكثر من معاونيه، تغطي طبيعة المنافسة الاستراتيجية بشكل عام، وكذلك العقوبات والطاقة والتوازن العسكري في الخليج والمنافسة بين واشنطن وطهران في مناطق مختلفة من العالم بما في ذلك العراق والمشرق العربي وتركيا والقوقاز و “أفغانستان وباكستان” وأوروبا وروسيا والصين وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. أما الفصل الأخير المتعلق بالتداعيات السياسية فيؤكد على وجوب تنافس الإدارات الأمريكية مع الإيرانيين في مجموعة واسعة من المجالات الجغرافية واستخدام العديد من الأدوات السياسية. وهذا ما تفعله واشنطن بالفعل حالياً، لكنه لا يكون دائماً مصحوباً بفهم واعٍ للطريقة التي ينبغي أن تنسجم بها جميع هذه الجهود المتباينة.

وقد توصل كوردسمان إلى النتيجة المتشائمة بأن سعي الملالي للحصول على الأسلحة النووية هو جزء من استراتيجية متضافرة تقوم عليها الاستراتيجية الأمنية العسكرية والوطنية بأكملها. ويقول إنه من غير المرجح أن تؤدي القيود على أنشطة التخصيب التي تقوم بها طهران إلى إعاقة التقدم النووي الإيراني كثيراً لأن الجمهورية الإسلامية قد طورت مجموعة متباينة وقوية من البرامج المرتبطة بالأسلحة النووية (بما في ذلك خيارات التوصيل) لدرجة أنه أصبح بوسعها تقسيم العمل المتبقي إلى برامج منفصلة. ويمكن إخفاء كل منها بسهولة وتقديمه إلى المجتمع الدولي الساذج على أن تطويره لأغراض سلمية. ويخلص إلى أنه لو درس المرء المجموعة الكاملة لأوجه المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وطهران، فإن المفاوضات الحالية بين “دول الخمسة زائد واحد” وإيران — حتى لو حققت نجاحاً كاملاً — لن تشكل سوى فارق صغير في تحدي الملالي لصناع السياسة الأمريكيين ولن تحقق أي فارق يذكر في مساعيها النووية.

ولا يرجح أن تلقى رسالة كوردسمان تلك الشهرة التي حظيت بها رسالة موسفيان. ويبدو أن هناك الكثيرون في الغرب الذين يميلون إلى الافتراض بأن إيران تبدي درجة من المعقولية في الأزمة النووية الحالية وأنه يلزم المزيد من الفهم للعالم النامي. ولكن مع الأسف، لو كان لنا أن نسترشد بالتاريخ لأدركنا أن القليل فقط من المشاكل الدولية يمكن حلها من خلال إظهار المزيد من التعاطف، لا سيما مع الأنظمة الراعية للإرهاب.